الشيخ محمد الصادقي

301

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

62 - فَلَمَّا جاوَزا المجمع الملتقى قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا الحوت وهو بطبيعة الحال مطبوخ جاهز للتغذي لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً وتعبا . 63 - قالَ فتاه أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ رياحة موقتة عن نصب السفر فَإِنِّي هناك نَسِيتُ الْحُوتَ الغذاء وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ حيث القصد المتلقى كان أهم من حوت الغذاء وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً من ذلك الاتخاذ ، ولكن تناسيت ذلك العجب لأهمية المجمع الملتقى . 64 - قالَ ذلِكَ العظيم العجيب حيث يحيى فيه الحوت الميت ما كُنَّا طوال سفرنا نَبْغِ إياه تطلبا فَارْتَدَّا رجوعا عَلى آثارِهِما الأقدام المؤثرة في التراب قَصَصاً تتبعا لتلكم الآثار العجب إلى حيث هو الملتقى ، إذا ففيه حياة علم من بحر الولاية . 65 - فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا وقد آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وحيا خاصا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً خاصا ، لم يكن عند موسى ، وهو خضر ( ع ) أوتي من علم الباطن ما لم يؤته موسى أيا كان بمكانه الرسالي . 66 - قالَ لَهُ مُوسى وقد عرفه بما عرّفه اللّه إياه بمكانته كما عرفه مكانه هَلْ أَتَّبِعُكَ في مشيك وممشاك عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ من علم لدني رباني رُشْداً في تعليمي إياه كما في تعلمك . 67 - قالَ له الخضر إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مستحيلا مَعِيَ صَبْراً استحالة باختيار . 68 - وَكَيْفَ تَصْبِرُ يا موسى عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً إذ لا يجوز التصبر على خلاف التكليف ما لم يظهر أنه يوافقه من وجه آخر . 69 - قالَ موسى لخضر سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً على ما لم أحط به خبرا مهما خالف ظاهرا أعلمه ، إن شاء اللّه تكوينا وتشريعا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً مهما كان إمرا في سبيل تعلمي إذا لم يكن فيه عصيان للّه . 70 - قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي على صعوبتها فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ تراه خلاف الحق حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً فلا تستعجل في سئوالك ، ولكنه أمر إمر عجاب . 71 - فَانْطَلَقا بهذه الرحلة المدرسية حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ المعلومة المقصودة لدى خضر ولعلها لدى موسى أيضا ، وفور ركوبها خَرَقَها قالَ موسى من فوره أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها بخرقها ، قصدته أم لا ، ولكن الغرق نتيجة عادية لذلك الخرق لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً داهية عظيمة ، ولما ذا لم يصبر موسى لأولى وهلة من هذه الرحلة المدرسية ناسيا وعد الصبر ؟ لأنه كان خلاف ظاهر الشرعة الربانية مهما كان في طريق تعلم ما لم يعلم . 72 - قالَ خضر لموسى أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وقد استعجلت في سؤالك الصعب كأنك تنهى عن منكر ، أو لا تقبله على أية حال في ظاهر الشرعة . 73 - قالَ موسى لخضر لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ لحاضر ظاهر الشرعة حيث تنسي أي وعد وَلا تُرْهِقْنِي إتعابا مِنْ أَمْرِي الرسالي بظاهره ، على تعلمي منك وعدم تصبّري عُسْراً يعسر لي تعلمي المقصود ، إذ عرف موسى هنا أن لذلك الأمر الإمر وجها في شرعة اللّه ، مهما خفي عنه . 74 - فَانْطَلَقا في رحلتهما المدرسية حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ خضر دون سبب ظاهر قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بظاهرها بِغَيْرِ نَفْسٍ قتلتها ، إذا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً تنكره شرعة اللّه ، يقول هذا وذاك دون رعاية لمكانة المعلم ، حيث المكانة الرسالية هي أولى رعاية ، و " زَكِيَّةً " هنا تشير إلى كونه مكلفا والغلام هو أعم منه وغيره ككلّ إلا هنا .